ابن الجوزي
292
صفة الصفوة
عليه فرد علي . فقلت في نفسي : أقول له عظني وأبلغ . فقال لي قبل أن أكلمه فأجاب عن سري : عظ نفسك بنفسك ، وفكّ نفسك من حبسك ، ولا تشتغل بموعظة غيرك من جنسك ، واذكر اللّه في الخلوات يقك السّيّئات ، وعليك بالجد والاجتهاد . ثم بكى وجعل يقول : شغلت النفوس بالقليل الفاني ونحبت الأبدان بالتسويف والأماني . ثم قال : يا بشر ، وما رآني وما عرفني قبل ذلك ، إن للّه عبادا خالط قلوبهم الحزن ، فأسهر ليلهم وأظمأ نهارهم ، وأبكى عيونهم ، كما وصفهم ربهم في كتابه كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ سورة الذاريات آية 17 و 18 ] . ذكر المصطفين من عباد جبال الشام المجهولة الأسماء 886 - حميد بن جابر ، الأمير الشامي إبراهيم بن بشار قال : كنت يوما مارّا مع إبراهيم بن أدهم في صحراء إذ أتينا على قبر مسنّم « 1 » فترحّم عليه وبكى ، فقلت : من هذا ؟ فقال : هذا قبر حميد بن جابر أمير هذه المدن كلّها ، كان غرقا في بحار الدنيا ثم أخرجه اللّه عزّ وجل منها فاستنقذه . لقد بلغني أنه سرّ ذات يوم بشيء من ملاهي ملكه ودنياه وغروره وفتنته . قال : ثم نام في مجلسه ذلك مع من يخصه من أهله . قال : فرأى رجلا واقفا على سريره وبيده كتاب فناوله ففتحه فإذا فيه كتاب بالذهب مكتوب : لا تؤثرنّ فانيا على باق ، ولا تغترّنّ بملكك وقدرتك وسلطانك وخدمك وعبيدك ولذّاتك وشهواتك ، فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم ، وهو ملك لولا أن بعده هلك وهو فرح وسرور ولولا أنه لهو وغرور ، وهو يوم لو كان يوثق له بغد ، فسارع إلى أمر اللّه عزّ وجل فإن اللّه قال : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [ سورة آل عمران آية 133 ] . قال : فانتبه فزعا وقال : هذا تنبيه من اللّه عزّ وجل وموعظة . فخرج من ملكه لا يعلم به ، وقصد هذا الجبل فتعبّد فيه . فلما بلغتني قصته وحدّثت بأمره قصدته فسألته فحدّثني ببدو أمره وحدّثته ببدو أمري ، فما زلت أقصده حتى مات ودفن ههنا . فهذا قبره رحمه اللّه .
--> ( 1 ) أي مرتفع فوق الأرض قاس مسطع .